أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

18

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

جاهل بالشرائع كلها ، بل هو كافر بما بين دفتي المصاحف كلها ، فكيف يعد من زمرة العلماء - ومن علم هذا كله ، ثم لم يؤثر الدنيا على الآخرة ، فهو أسير الشيطان ، وقد أهلكته شهوته ، وغلبت عليه شقوته ، فكيف يعد من حزب العلماء من هذه الدرجة . وقيل : وراعي الشاة يحمي الذئب عنها * فكيف إذا الرعاة لها ذئاب ومنها : أن لا يخاف قوله فعله ، بل لا يأمر بالشيء ما لم يكن هو أول عامل به ، ولا ينهى إلا عن شيء ينتهي هو عنه أولا . قيل : يا واعظ الناس قد أصبحت متهما * إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها وقيل : لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم والآيات والأخبار والآثار في هذا الباب أكثر من أن تحصى ، وأشهر من أن تذكر . ومنها : أن تكون عنايته لتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعة ، متجنبا في العلوم التي يقل نفعها ويكثر فيها الجدال والقيل والقال . ومنها : أن يكون غير مائل إلى الترفه في المطعم ، والتنعم في الملبس ، والتجمل في الأثاث والمسكن ، بل يؤثر الاقتصاد في جميع ذلك ، ويتشبه فيه بالسلف ، ويميل إلى الاكتفاء بالأقل . وكلما ازداد إلى طرف القلة ميله ، ازداد من اللّه سبحانه قربه ، وارتفع في علماء الآخرة حزبه . والتحقيق أن التزين بالمباح ليس بحرام ، لكن الخوض فيه يوجب الأنس به ، حتى يشق تركه . واستدامة الزينة لا تمكن الا بمباشرة أسباب في الغالب يلزم من مراعاتها المداهنة ومراعاة الخلق ومراياتهم ، وأمور أخر محظورة ، فالحزم اجتناب ذلك . ومنها : أن يكون منقبضا عن السلاطين ، لا يدخل إليهم البتة ، ما دام يجد عن الفرار عنهم سبيلا ، بل ينبغي أن يحترز عن مخالطتهم إن جاءوا اليه ، فان الدنيا حلوة خضرة وزمامها بأيدي السلاطين ، والمخالط لهم لا ينفك عن تكلف في طلب مرضاتهم واستمالة قلوبهم ، مع أنهم ظلمة ، ويجب على كل متدين ،